الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

77

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

والعقد بأي معنى فسّر يشمل جميع المعاملات من البيع وغيرها ، سواء قلنا أنّه « العهد » أو « العهد المشدد » . قال الراغب : العقد الجمع بين أطراف الشيء وذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل ، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع والعهد . . . وقال تعالى : بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ومنه قيل لفلان عقيدة ، وقيل للقلادة عقد . . . والعقدة اسم لما يعقد من نكاح . ولا يخفى على من راجع موارد استعمال هذه الكلمة في الكتاب العزيز أنّها غير شاملة للمعاملة الاذنية التي تتبع اذن صاحبها وتبقى ما دام الاذن موجودا . والأمر بالوفاء وإن كان حكما تكليفيا في بدء النظر إلّا أنّه في أمثال المقام ظاهر في الحكم الوضعي ، فان وجوب الوفاء بالعقد دليل على اعتباره ولزومه وضعا ، كما هو ظاهر . نعم ، قد يقال بعدم إمكان الأخذ بعمومها وإن كان الجمع المحلّى باللام ظاهرا في العموم لا سيما مع كونه في مقام البيان والاطلاق ، وذلك للزوم تخصيص الأكثر بعد خروج المعاملات الجائزة ، وهي كثيرة ، وخروج البيع وشبهه بأنواع الخيارات . ولكن الانصاف عدم وجود مانع من هذه الناحية ، فان العقد الذي هو متحد مفهوما مع العهد بل المعاهدة ، لا تشمل العقود الجائزة الاذنية إلّا مجازا ، وإن شئت قلت : مفهومه التزام في مقابل التزام ، وهذا المعنى غير موجود في مثل الهبة والعارية والوديعة وشبهها ، فهي خارجة عن الآية رأسا ، وأمّا اشتمال البيع وشبهه على كثير من الخيارات ، فهي وإن كانت كذلك ، ولكن زمان تزلزل البيع بالخيار في مقابل زمان لزومه قصير جدّا ، فأكثر البيوع في أكثر الأوقات لازمة ، وإنّما الجواز يقع في فترات يسيرة كما لا يخفى . بقي هنا شيء : وحاصله أنّ الأمر بوجوب الوفاء بالعقود مسلّم ، ولكن بعد الفسخ يكون من قبيل الشبهة المصداقية ، للشك في بقاء العقد ، وفيه : أنّه ناش عن عدم تحقيق معنى الوفاء ، فان الظاهر من الأمر بالوفاء هو الأمر المولوي الذي لازمه الحكم الوضعي بلزوم العقد ، وهذا الأمر بنفسه ينفى أثر الفسخ ، فان إرجاع العين وتجديد النظر في العقد مناف للوفاء ، فلا يجوز استرجاع العين بهذا الفسخ .